الغزالي
178
إحياء علوم الدين
مثال آخر للدنيا ، في مخالفة ظاهرها لباطنها . اعلم أن الدنيا مزينة الظواهر ، قبيحة السرائر . وهي شبه عجوز متزينة ، تخدع الناس بظاهرها ، فإذا وقفوا على باطنها ، وكشفوا القناع عن وجهها . تمثل لهم قبائحها ، فندموا على اتباعها ، وخجلوا من ضعف عقولهم في الاغترار بظاهرها . وقال العلاء بن زياد ، رأيت في المنام عجوزا كبيرة ، متعصبة الجلد ، عليها من كل زينة الدنيا ، والناس عكوف عليها معجبون ، ينظرون إليها فجئت ونظرت وتعجبت من نظرهم إليها ، وإقبالهم عليها . فقلت لها ويلك من أنت ؟ قالت أو ما تعرفني ؟ قلت لا أدرى من أنت ، قالت أنا الدنيا ، قلت أعوذ باللَّه من شرك . قالت إن أحببت أن تعاذ من شرى فابغض الدرهم . وقال أبو بكر بن عياش ، رأيت الدنيا في النوم عجوزا مشوهة شمطاء ، تصفق بيديها ، وخلفها خلق يتبعونها يصفقون ويرقصون . فلما كانت بحذائى ، أقبلت علىّ فقالت ، لو ظفرت بك لصنعت بك مثل ما صنعت بهؤلاء . ثم بكى أبو بكر وقال ، رأيت هذا قبل أن أقدم إلى بغداد . وقال الفضيل بن عياض ، قال ابن عباس ، يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء ، أنيابها بادية ، مشوه خلقها فتشرف على الخلائق ، فيقال لهم أتعرفون هذه ؟ فيقولون نعوذ باللَّه من معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التي تناحرتم عليها ، بها تقاطعتم الأرحام ، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم . ثم يقذف بها في جهنم ، فتنادي أي رب ، أين أتباعي وأشياعي ؟ فيقول الله عز وجل ، ألحقوا بها أتباعها وأشياعها . وقال الفضيل ، بلغني أن رجلا عرج بروحه ، فإذا امرأة على قارعة الطريق ، عليها من كل زينة من الحلي والثياب ، وإذا لا يمر بها أحدا إلَّا جرحته فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس ، وإذا هي أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس عجوزا شمطاء ، زرقاء عمشاء . قال فقلت أعوذ باللَّه منك . قالت لا والله ، لا يعيذك الله منى حتى تبغض الدرهم . قال فقلت من أنت ؟ قالت أنا الدنيا مثال آخر للدنيا وعبور الإنسان بها اعلم أن الأحوال ثلاثة ، حالة لم تكن فيها شيئا ، وهي ما قبل وجودك إلى الأزل . وحالة لا تكون فيها مشاهدا للدنيا ، وهي ما بعد موتك إلى الأبد . وحالة متوسطة بين الأبد والأزل ، وهي أيام حياتك في الدنيا . فانظر إلى مقدار طولها ، وانسبه إلى طرفي الأزل